فخر الدين الرازي

287

المطالب العالية من العلم الإلهي

أن العقاب عليه ظلم . فثبت : أن الذي أوردوه [ علينا « 1 » ] وارد عليهم لا محالة . الثاني : إن خلاف معلوم اللّه ممتنع الوقوع . فإذا قال لمن علم أنه يموت على الكفر : كلفتك بالإيمان . فكأنه قال له : غير علم اللّه وإلا عاقبتك . ومعلوم أن هذا لا يليق بالرحمة البتة . لأن كل ما أوصل اللّه من الرحمات إلى عباده ، لا يخلو إما أن يقال : إنه تعالى أحوجهم إليها وجعلهم مشتهين لها ، أو ما فعل ذلك . فإن كان الأول لم يكن ذلك رحمة . لأنه تعالى لما أحوجهم إليها ، ثم أعطاهم ذلك المحتاج إليه ، جرى هذا مجرى ما إذا خرق بطن إنسان ثم يداويه . فإن ذلك لا يعد رحمة . وإن كان الثاني وهو أنه تعالى ما أحوجهم إليها ، وما جعلهم « 2 » مشتهين لها ، راغبين في حصولها ، لم يكن إيصال ذلك إليهم « 3 » نفعا في حقهم . ألا ترى أن إلقاء العظم إلى الكلب إحسان إليه . لأنه يشتهي ذلك العظم . أما إلقاء قلادة من الدر « 4 » إليه ، فإنه لا يكون إحسانا إليه . لأنه لا يشتهي ذلك فثبت أن على القسمين لا تعقل حصول الرحمة . وهذا بخلاف الإحسان الصادر من الخلق ، لأن الحاجة ما حصلت من قبل هذا المحسن ، بل كانت الحاجة موجودة في ذات ذلك الشخص . فإذا سعى إنسان في دفع تلك الحاجة ، كان ذلك إحسانا . أما الحق سبحانه فهو الذي أحوج إلى ذلك الشخص ، فإذا أعطى المحتاج إليه ، جرى [ ذلك « 5 » ] مجرى ما إذا أساء ثم أحسن بقدر تلك الإساءة ، ومجرى ما إذا جرح ثم عالج ، فإن ذلك لا يكون إحسانا . فثبت : أن هذا الإلزام وارد عليهم . الرابع : إنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يقبل الإيمان ، وأنه يقدم على الكفر والفسق ، وأنه لا يستفيد من الخلق والتكليف ، إلا عذاب الأبد . كان

--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) . ( 2 ) وما جعلتم ( م ) . ( 3 ) إليها ( م ) . ( 4 ) الذي ( م ) . ( 5 ) من ( ل ) .